الشراكة مع مؤسسة أديان في التطوير التربوي: الإلتباسات والتداعيات

الشراكة مع مؤسسة أديان في التطوير التربوي: الإلتباسات والتداعيات

د.علي خليفة

أستاذ التربية على المواطنية في الجامعة اللبنانية

مؤسسة أديان هي إحدى جمعيات المجتمع المدني المتخصصة. تستمدّ تمويلها من خدمات الإغاثة الكاثوليكية في لبنان Catholic relief services  والمؤسسة الكاثوليكية الكندية للتنمية والسلام Canadian catholic organization for development and peace والبنك البريطاني والوكالة الأميركية للتنمية الدولية  USAid.

وقد دخلت هذه المؤسسة في شراكة مع المركز التربوي، جلبت بموجبه تمويلاً لبعض مشاريع المركز في التطوير التربوي، ومنها إعداد مناهج التربية الوطنية والفلسفة ومشروع خدمة المجتمع والدراسات حول التاريخ والتعليم الديني، وجلبت مع هذا التمويل أدبياتها المتفقة أصلاً مع أجندات الجهات المانحة كشرط ملزم للحصول على التمويل، ومنها الشرعة الوطنية المنبثقة عن مشروع أديان بعنوان “التربية على المواطنة الحاضنة للتنوع الديني”. ومن أبرز مرتكزاته: اعتبار لبنان “مشروعًا حضاريًّا نموذجيًّا ورسالة للعالم” في ضوء “الإعتراف بالخصوصيّات الثقافيّة للجماعات الروحيّة المكوِّنة لنسيجه الاجتماعيّ واحترامها وحمايتها”. وتهاجم الشرعة مفهوم الانصهار لأنه “يُفقد مجتمعنا غنى التنوّع ويُشعِر المواطن بعدم الاعتراف بجزء أساسيّ من كيانه الشخصيّ والجماعيّ”. وتؤكّد الشرعة على “احترام الآخر ومعتقداته وتقاليده الخاصة “.

المواطنة الحاضنة للتنوع: المفهوم الملتبس

لم يسبق أن استطاعت مؤسسة ذات أجندة خاصة بها كمؤسسة أديان أن تفرض على وزارة التربية والمركز التربوي تبنّي مفهوم ملتبس ومحطّ جدل كمفهوم “المواطنة الحاضنة للتنوع الديني” ١. هذا المفهوم يبدو بظاهره لطيفاً، نظيفاً، خفيفاً، مطواعاً. فهو يدعو إلى «قبول الآخر»، ولكنه يحاكي العقلية اللبنانية المتوجّسة؛ يتوخّى “تبنّي جسور للتلاقي (ولكن) بين متنوّعين متميّزين”. هذا المفهوم يقوم إذًا على الإختلاف، التنوّع والتميّز على قاعدة دينية بالأساس، ونزعة منغلقة على ذاتها. وهو نسخة مجترّة ومسطّحة عن المواطنة الفارقية للأب سليم عبو اليسوعي في محاولة منه للتوفيق بين المساواة في الحقوق الممنوحة للمواطنين الأفراد في المقاربة المدنية للمواطنة وحقوق الجماعات الطائفية التي ينتمون إليها في المجتمعات المتعدّدة دينيًّا.
إذًا، يقوم هذا المفهوم على إيثار الشعور بالخصوصيّة المفرطة تجاه الآخر، أي الغيرية، لا سيما على قاعدة الإنتماءات الدينية والثقافية للأفراد.

في المقابل، يصطفّ العديد من المفكرين الطليعيين في لبنان على نقيض هذا التوجه، فيقول مثلاً جورج قرم في معرض توصيفه للغيرية: “أقول لنفسي إنّي بسيط العقل، متمتّع بالطوبى التي جعلها الإنجيل لطيّبي القلوب أمثالي، ممّا يدفعني إلى الإعتقاد بالطبيعة البشرية الواحدة. أتساءل: كيف ما زلتُ أرفض أن أعترف بالغيريّة؟ أهي براءة الأطفال، أم المسيحية الحقّة، أم إنّها نتيجة 45 عاماً من التأمّلات حول التعدّدية الدينية والإثنية والثقافية، التي حفّزها هول المجازر بين الطوائف في لبنان منذ العام 1840، ولكن بنوع خاص، تلك التي عشتُها عاجزًا وحانقًا، بين العامين 1975 و1990؟». والأب جورج مسّوح ينتقد أيضًا هذا التصنيف والتمييز. طبعًا، على أرض الواقع، قد يؤدي مفهوم المواطنة الحاضنة للتنوع الديني إلى ترسيخ تصنيف المجموعات الدينية بين مسيحيين ومسلمين، كي يصبح كلّ واحد بالنسبة لغيره من الدين المختلف هو «الآخر»، وفصلهم مجموعات منعزلة تستدعي بناء أواصر اللقاء ومدّ الجسور بينهم، عوض أن يكونوا جميعهم سواسية، تجمعهم المواطنة على خلاف أوضاعهم الفردية اجتماعيًا، واقتصاديًّا وهي أكثر ما يجمع ويفرّق، لا الإعتبارات الدينية إذا ما تلبّست لبوس الثقافة (وصولاً إلى الوعي القومي؟).

إزاء ذلك، لماذا تنجرّ وزارة التربية والمركز التربوي إلى تبنّي مفهوم مؤسسة «أديان» هذا؟ وإذا كان التعاون مع هذه المؤسسة هو ضمن التعاون مع المجتمع المدني والجمعيات المتخصصة والناشطة، ومع المؤسسات التربوية الخاصة والرسمية، كما يقول المركز التربوي، فهل تختزل «أديان» كل هذه الجمعيات، لتلعب هذا الدور مثار الجدل في التربية الوطنية والفلسفة وخدمة المجتمع وقد تستهدف أيضًا التاريخ والتعليم الديني؟

 

شيطنة الإنصهار: تخطٍّ لدستور الطائف وتكريس للوعي الثقافي – الطائفي ورفضٌ للبعد الإندماجي للتربية

ليس المركز التربوي (خلال فترة 2013 – 2017) ولا مؤسسة أديان أوّل من شيطن مفهوم الانصهار الوطني؛ وبعضهم يزعم أنّ الإنصهار عمليةٌ تحدث بين المعادن المختلفة رغم أنف الطبيعة وبواسطة التذويب والنار… وأن هذه العملية غير مخصّصة للبشر الذين لا يمكن تذويبهم بالقوة والقضاء على تنوعهم٢.  

واضح أن من يتحدّث عن “كليشيه” انصهار المعادن لا يعرف خصائص المعادن، وأنّ المعادن المنصهرة يصبح لديها ميزات أفضل وأرقى من حالها البكر: فبعد إضافة الذهب إلى النحاس، يصبح هذا الأخير أكثر لمعاناً وبريقاً، وبعد إضافة الزنك إليه يصبح أكثر صلابةً.

إن مؤسسة أديان هي من ضمن قافلة الذين شيطنوا مفهوم الانصهار، علماً بأن الولايات المتحدة الأميركية ذاتها – وهي أحد مصادر تمويل مشاريع المؤسسة، تنظر إلى مدارسها على أنها الإناء الصاهر Melting pot أي صهر الأفكار في بوتقة الأمركة وقيم الديمقراطية بمعزل عن التنوع الإثني والقومي والديني والثقافي… فكيف يكون الانصهار مقبولاً في الولايات المتحدة و«مشيطناً» إلى هذا الحدّ في لبنان!؟ ولأية غايات!؟

الإنصهار لا يلغي التعدّدية والاختلاف ولكنّه يحقق عناصر الوحدة الضرورية التي تجنّب التعدّدية أن تنقلب إلى نزعات للتفتيت وأسباب للتباعد. وفيه تحدّ واستدامة وفيه نبذ للتقوقع والانعزال وللتصنيف على أساس الانتماء الديني. وما ورود الانصهار في وثيقة الوفاق الوطني سوى لكون المواطنية غير مستقرّة لدى اللّبنانيين، وعناصر وحدتهم غير مكتملة، بل الحس الوطني الجماعي مفقود بالكامل لحساب الانتماءات المناطقية والطائفية والحزبية. وعلاقة المواطنين بالدولة ليست علاقة حقوق وواجبات بل تمرّ عبر الجماعات والطوائف. بلا وحدة وطنية وانصهار اجتماعي، تُفرز التعدّدية شياطينها من خلال إيثار الشعور بالخصوصيّة المفرطة تجاه الآخر، أي الغيرية، لا سيما على قاعدة الانتماءات الدينية والثقافية للأفراد: في التربية الوطنية، وفي التعليم الديني من خلال ربط حياة الأفراد بإرث الجماعات الدينية التي ينتمون إليها. وهذا ما دأبت مؤسسة أديان على الترويج له في وزارة التربية كما في المركز التربوي، مع العلم أن المواطنة كمنظومة مدنية مستقلّة تماماً عن النظرة الدينية إليها، وتنفصل عنها كما ينفصل الزيت عن الماء، ليس بهدف التضاد بل لأنه أصبح بمثابة الكفر والتجديف بنظر المؤمن الأكثر حمية بيننا أن يتم حشر الدين في الترتيب الذي يجمعنا وفي القلاقل التي تفرّقنا، بحسب ما يقول مارسيل غوشيه (2007)…

تفخيخ مشروع خدمة المجتمع

في النشاطات اللامنهجية، أي من خارج المواد الدراسية، موّلت أديان مشروع خدمة المجتمع، فأسقطت، في القرار 607/م/2016، ربط ثقافة خدمة المجتمع بتعزيز “التماسك الاجتماعي والانصهار الوطني” كما ورد سابقاً في القرار 4/م/2013، حيث غابت هذه العبارة كليّاً في القرار الأخير وحلّت محلّها عبارة “المواطنة التشاركية والمبادرة المسؤولة” وغيرها… ضاربةً، كما في المناهج كذلك في النشاطات اللامنهجية، ما ورد في وثيقة الوفاق الوطني لناحية ربط التطوير التربوي بتعزيز “الانتماء والانصهار الوطنيين” بالتحديد. في حين تعتبر مؤسسة أديان أن الانصهار “خطرٌ” وبأنّه يقوم “على أساس ذوبان الجميع في بوتقة واحدة”.

المقاومة مقاومات والقضية الفلسطينية… مغيّبة

ويبدو أن ارتهان قضايا التربية ومقارباتها لمشروع مؤسسة أديان يمكن أن يطال أيضاً المواضيع التاريخية بشكلٍ مريب وامتداداته على الواقع والمستقبل، فيستوي من قاوم الاحتلال الإسرائيلي ومن تعاون معه و”قاوم” منظمة التحرير الفلسطينية أو الوجود السوري في لبنان، من زاوية التسويق للتعدّدية وما ينتج عنها من اختلافٍ في الرأي وتفهّم للمواقف المتباينة ووضع الفرد نفسه مكان الآخر ليعاين ما اختبره قبل أن يتخذ موقفًا… ويأتي ذلك في تغييبٍ صريح لنظرة السلطة السياسية القائمة اليوم ولكن بدون أن تروّج لها ورش تطوير المناهج الجديدة، في استعادة لتوجهات زمن الحرب الأهلية اللبنانية…

يُضاف إلى التساؤل أعلاه، ما أتى به مشروع تعديل تحديد محاور التدريس في مادة التاريخ للسنة التاسعة الأساسية من إسقاط محور القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي. يقول المركز التربوي في معرض شرحه الأمر: “الإبقاء على تعليق العمل (بالمحور المذكور) حرصًا على عدم تغذية الجدل حول هذا الموضوع لدى الأطياف كافة ريثما يتم الاتفاق على رؤية موحّدة لدى جميع اللبنانيين وصدور منهج تاريخ موحّد يحظى على موافقة جميع الفعاليّات السياسية والتربويّة بما يحقق الأهداف والمبادئ العامة الواردة في وثيقة الوفاق الوطني”. وحيث “وجهات النظر المختلفة في المقاربات التعليمية الممكن اعتمادها يمكن أن تطرح إشكالية أيضًا خاصة في غياب محتوى متّفق عليه لهذا المحور”.

وعليه، فإن التطوير التربوي في فترة 2013 – 2017 نظر إلى المقاومة على أنها مقاومات، فلم يلحظ مقاومة العدو الإسرائيلي على سبيل الحصر، كما أبقى على إسقاط محور القضية الفلسطينية من منهج التاريخ للسنة التاسعة الأساسية.

الموقف من التعليم الديني: تكريس الشأن الديني ودوره في التصنيف الإجتماعي

على خلاف توصيات لجنة المركز التربوي عام 1997 بخصوص تبنّي منهج موحد للثقافة الدينية وتعثراته اللاحقة، وفي محاولة للإلتفاف على أعمال هذه اللجنة، تقوم مؤسسة «أديان» بإطلاق الدليل التربوي: دور المسيحيّة والاسلام في تعزيز المواطنة والعيش معاً، في كتابين منفصلين، في محاولة لمقاربة مسألة التعليم الديني من ذات زاوية التنوع الذي تعمل عليه، في تكريس الشأن الديني ودوره في التصنيف الإجتماعي والتمييز بين المواطنين الأفراد، ويؤازرها منذ فترة المركز التربوي.

إن بعض الاتجاهات الحديثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، أعاد الدِّين إلى الحياة العامة كعامل اجتماعي فاعل في أكثر من مقام. وهذا التوجّه الناشئ تحديداً في بعض المجتمعات الغربية، يقابله تصوّر مجتزأ في لبنان، حيث ليس هناك ترسيم واضح للحدود بين الشأن العام في ما يعنيه (وهو أصلاً غير مكتمل في ثقافتنا وفي وعينا الجماعي) ومكان الدِّين فيه كعامل مساهم.

وطبعاً، إن لمؤسسة أديان، التي نظمت أخيراً حفل تخرج لبرنامج التنشئة على الأديان والشّأن العام في لبنان، أدبيات خاصة تطمح إلى بقاء العامل الديني مهيمناً على الحياة العامّة، فلا يرى الفرد خصائصه إلا من خلال انتمائه الديني، ويربط حقوقه وممارستها بهذا الانتماء وكذلك واجباته كفرد وقيمته كإنسان. لا بل يفضي هذا المفهوم إلى اعتبار منظومة المواطنية بحدّ ذاتها مستتبعة للانتماء الديني، وملحقةً به، جرّاء التضحية بالعديد من مكوّناتها الأساسية، كالمساواة في الحقوق بين المواطنين الأفراد لمصلحة التعبير المفرط عن الخصوصيات الدينية لدى الجامعات الطائفية، وصون هذا الواقع، في حين أن المطلوب مقاربة الدين كمظهر ثقافي ومحدود.

خلاصات وتوصيات

إن التطوير التربوي الذي قاده المركز التربوي، في فترة 2013 – 2017، لا سيما منه ما يتعلّق بالشراكة مع مؤسسة أديان ينتقل بالزمن التربوي إلى الزمن السياسي للحرب الأهلية اللبنانية (رفض وتخطّي مفاهيم واردة حرفيًّا في وثيقة الوفاق الوطني كالإنصهار الوطني، ومقاربة الشأن التربوي من خارج بعده الإندماجي، فضلاً عن تبنّي تعدّد “المقاومات” وإهمال ارتباط لبنان بالقضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي.

ويتبيّن أن التطوير التربوي، إذ يأخذ الزمن التربوي إلى فترة الحرب الأهلية اللبنانية، فإنه ينشق عن الزمن السياسي الذي أفرزه اتفاق الطائف، ما بعد هذه الحرب. فنشهد انشقاق الإرادة التربوية بعملها المنفذ ما بين 2013 و 2017 عن الإرادة السياسية، بخلاف النموذج الوظيفي للتطوير التربوي الذي يفرض مواءمة توجهات الفاعلين التربويين مع توجهات المقررين السياسيين.

إن مشروع مؤسسة أديان يصبح خطيراً، لأنّه يمكن أن يرتدي لبوساً مختلفاً، ليس أقلّه تكريس فضاءات طائفية منعزلة على ذاتها ومتباعدة عن بعضها.

أعتقد أخيراً أن المسؤولين والفاعلين التربويين على مختلف مستويات القرار، غافلون أو متغاضون عن الأمر، أو هم من غير أصحاب الرؤى الواضحة المطلوبة حيال هذه التبعات. كذلك إن صيغة ائتلاف الطوائف، التي تصادر بناء الوطن على قاعدة المساواة في حقوق المواطنة بين الأفراد، هي ذاتها البيئة الراعية لنشوء مشاريع تكريس الطائفية على قاعدة التقاء المصالح بين الطوائف المؤتلفة على حطام الدولة. فالطائفية السائدة على صعيد الحكمية السياسية، وفي العديد من عمليات التنشئة الاجتماعية، ومنها التربية والتعليم، تؤدّي إلى أن يكون للمغالين في التعبير عن الانتماء الديني حلفاء موضوعيون وأصدقاء لدودون، لا بين نظرائهم وحسب، بل بين أندادهم. فكلّ مغالٍ في التعبير عن الشأن الديني يرى، في نظيره وندّه من الدين الآخر، مبرّراً لوجوده ومسوّغاً لعمل كلّ واحد منهما على تقديم الشأن الديني على الشأن العام، ومصالح المجموعة الطائفية على المصلحة العامة المشتركة، ومنظومة الخصوصيات على الوحدة والاندماج.

______________________________________________________________________________

١    قد يكون هذا المفهوم اجترارًا لأفكار الأب  سليم عبو ليصوغ منها الأب فادي ضو، مؤسس أديان، ما أسماه في تلك الفترة (2014): “المواطنة الما بين ثقافية” Citoyennete interculturelle قبل أن يلطّف تسميتها ويخبّئ مضامينها في مصطلح المواطنة الحاضنة للتنوع، لا سيما الديني منه.

٢   مراجعة مقال علي خليفة في جريدة الأخبار بعنوان: “شيطنة الإنصهار وشياطين التعدّدية”، العدد ٣٢٢٠ الاثنين ١٠ تموز ٢٠١٧.

 




Disclaimer: The views and opinions expressed in this article are those of the author(s) and do not necessarily reflect the policy or position of the site administration and/or other contributors to this site.

(Visited 133 times, 1 visits today)

Comments

comments